سماحه الدين الأسلامي بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين
مقدمة
قبل أن أبدأ في الموضوع الرئيسي أود أن أوضح نقطة مهمة ، وهي أن الإسلام نظام ديني سياسي اجتماعي اقتصادي متكامل ينظم للإنسانية برنامجها العملي في كل جوانب الحياة، وأن النبي محمد صلى الله عليه وآله هو نبي من عند الله أرسله لينظم للبشرية طريقها المستقيم إلى الله سبحانه فوضع لها النظام المتكامل الذي يسير بها إلى الحياة السياسية والاجتماعية السعيدة والمتوازنة.
وقد اعترف بعظمته كل من عرفه وسمع عنه من المسلمين وغير المسلمين من رجال الدين وغيرهم، فلا شك أن التاريخ أثبت أن النبي محمد صلى الله عليه وآله كان يتمتع بدرجة عالية من الحكمة والحركة والذكاء والعقل ، فإن هذا الرجل الذي استطاع أن يطبق الدين الذي جاء به واستطاع أن يجعله ديناً ينافس الأديان الأخرى ويكثر أتباعه بفترة زمنية قصيرة ، ويشكل من الدين نظاماً سياسيا اجتماعياً متكاملاً ، فلو فرض أنه لم يكن نبياً فلا شك أنه كان عبقرياً وحكيماً لم ير التاريخ مثله أبداً. وأنا أنقل لكم على سبيل المثال قول برناردشو في حق النبي محمد صلى الله عليه وآله حيث قال برناردشو:
"لو تولى العالم الأوربي رجل مثل محمد لشفاه من علله كافة، بل يجب أن يدعى منقذ الإنسانية، إني أعتقد أن الديانة المحمدية هي الديانة الوحيدة التي تجمع كل الشرائط اللازمة وتكون موافقة لكل مرافق الحياة، لقد تُنُبِّئتُ بأن دين محمد سيكون مقبولاً لدى أوربا غداً وقد بدا يكون مقبولاً لديها اليوم، ما أحوج العالم اليوم إلى رجل كمحمد يحل مشاكل العالم."
وقال بثوت سمت (وهو كاتب فرنسي):
" لقد جاء محمد بكتاب مشتمل على دستور الشرائع وأخبار الأمم".
وقال الأستاذ مونته ( وهو أستاذ اللغات الشرقية بجامعة جنيف سابقاً ) في كتابه ( محمد والقرآن ) :
" ولقد منع القرآن الذبائح البشرية ووأد البنات والخمر والميسر وكان لهذه الإصلاحات تأثير غير متناه في الخلق بحيث ينبغي أن يعد محمد في صف الأعاظم المحسنين للبشرية ".
وهناك الكثير من الأقوال في حق النبي صلى الله عليه وآله التي تعتبر تنبيهاً للذين يجرون وراء الغرب وأفكارهم كي يستوردوها إلى أمتنا بينما الأصل والفرع موجود عندنا نحن لكن للأسف نعتبره ( دقة قديمة ) لا يصلح للمعاصرة بينما الغرب يقتاتون منه ومن قيمه الأخلاقية والعلمية .
وموضوع المرأة من المواضيع التي تثار كل يوم كي يطعنوا على الإسلام بقصد إثارة الناس ضد الإسلام وتشكيكهم بدينهم الذي أخرجهم من الظلمات إلى النور ، ومن الضلالة إلى الهدى ونسوا قول الله تعالى :
"الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ".
المرأة في المنظور الإسلامي
قال تعالى في القرآن الكريم : "ولهنَّ مثل الذي عليهنَّ بالمعروف وللرجال عليهنَّ درجة والله عزيزٌ حكيم". 2/228.
إن الإسلام أعطى للمرأة حقوقاً وبين مكانتها في المجتمع الإنساني، بما يعتبر أسبق الأديان والأنظمة العالمية ليس فقط بالنسبة للمجتمع الدولي الآن بل بالنسبة للمجتمع الجاهلي الذي كانت تعيش فيه المرأة، هذه المرأة التي كان ينظر إليها حتى في القانون الروماني أو القانون اليوناني على أنها آلة أو حيوان، ويتعامل معها كما يتعامل مع الأشياء الموروثة، بل كانت المرأة جزءً من الأموال الموروثة عند بعض المجتمعات، وليس من حقها أن تمتلك شيئا من المال، فلم تكن تملك شخصية قانونية ولا كرامة وليس لها أي اعتبار في القانون الجاهلي والقوانين القديمة.
إلى أن جاء الإسلام فاعترف للمرأة بعدة أمور:
أولاً – اعترف للمرأة بحق الإنسانية وأنها إنسان، فقال في القرآن الكريم :
"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " 49/ 13.
فالمعيار هو التقوى فالرجل والمرأة كلاهما عضو في المجتمع الإسلامي وكلاهما مسؤول أمام الله سبحانه وتعالى وكلاهما بشر متساويان في الإنسانية لذلك قال (يا أيها الناس ) .
وقد قال مشيراً إلى هذه المساواة ( الأستاذ المستشرق الفرنسي سنيط ) : إن القرآن العظيم فرض العدل في الدين والتمدن والسياسة بين طبقات المسلمين من غير تمييز للأصل والجنسية حيث قال " إن أكرمكم عند الله أتقاكم".
ثانياً - اعترف لها بحق الحياة فوقف ضد عملية الوأد موقفاً شديداً فقال القرآن الكريم :
"وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنبٍ قتلتْ" 81/ 8-9 . وقال أيضاً :
"لا تقتلوا أولادكم خشيةَ إملاقٍ نحن نرزقُهم وإياكم إنَّ قتلَهم كانَ خِطئاً كبيراً" 17/ 31.
وذلك لأن أهل الجاهلية كانوا يقتلون البنت خوفاً من العار، أو خوفاً من الفقر.
ثالثاً – اعترف لها بحق الكرامة وأنها ليست فقط إنسان حي وإنما لها كرامة وشخصية، وكرامتها يجب أن تبقى محفوظة في مختلف جوانب حياتها، وأن نتعامل معها على أنها إنسان محترم، فقد جعل الله المرأة على قدم المساواة مع الرجل فقال في كتابه الكريم :
"فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض". 3/ 195 .
وقال أيضاً: "من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طيبةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجرَهم بأحسنِ ما كانوا يعملون" 16/ 97 .
وهذا المعنى يؤكده القرآن كثيراً، وهو يريد من خلال هذا التأكيد أن يثبت:
أن المرأة نصف المجتمع باعتبار أن المجتمع مؤلف من جنسين ذكر وأنثى.
يريد أن يذكر الناس بأن المرأة إنسان ولها كيان مستقل محترم.
يثبت قضية بيولوجية علمية، وهي أن المولود يكون مشتركاً تكويناً بين الأب والأم، فالأم شريكة في النطفة التي ينعقد منها الجنين، وهذا بخلاف النظرية الجاهلية التي كانت تقول بأن الأم مجرد وعاء للولد وليس لها أي دخل في انعقاد نطفته، لذلك كانوا يقولون بأن ابن البنت لا يعتبر ابناً لجده من أمه، لكن الإسلام غيَّر هذه النظرة السلبية من خلال القرآن الكريم وسنة النبي التي تدل على أن ابن البنت هو ابن أيضاً كما أن ابن الابن هو ابن كذلك.
والعلم الحديث أثبت هذه النظرية التي جاء بها الإسلام قبل ألف وأربعمائة سنة. |