السلام بسم الله الرحمن الرحيم ثقافة السلام .. هل هي مفتاح السلام العالمي ؟ د . محمد سعدي
للتربية دور مهم في ترسيخ ثقافة الحوار داخل المجتمع وما بين المجتمعات , وهذا ما يؤكده اعلان المبادئ حول التسامح في تشرين الثاني \ نوفمبر عام 1995 حيث نصت المادة الرابعة على ان :
( التربية هي الاداة الاكثر فعالية للوقاية من التعصب , واول خطورة في هذا الاطار تكمن في تتعليم الافراد معرفة حقوقهم وحرياتهم لضمان احترامها ولحماية الحقوق وحريات الاخرين . التربية على التسامح ينبغي اعتبارها واجبا اوليا لذلك من الضروري تطوير مناهج نظامية عقلانية لتعليم التسمح على اساس التركيز على المصادر الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والدينية للتعصب , والتي تشكل الاسباب العميقة للعنف والاقصاء , وسياسات وبرامج التربية يجب ان تساهم في تنمية التفاهم , والتضامن , والتسمح بين الافراد وكذا بين الجماعات الاثنية , والاجتماعية , والثقافية , والدينية واللغوية وبين الامم ... والهدف هو تكوين مواطنين متضامنين ومسؤولين, منفتحين على الثقافات الاخرى ... قادرين على اتقاء النزاعات او حلها بوسائل سليمة ) .
وقد اصدرت مجموعة من الشخصيات الحائزة على جائزة نوبل للسلام اثناء اجتماعها في مؤتمر فيينا لحقوق الانسان في عام 1993 تصريحا اوضضحت فيه ان : ( احدى العبر الاساسية لعصرنا تكمن في ان احترام حقوق الانسان هي مسألة جوهرية لتحقيق السلام . فلا يمكن ان يوجد سلام حقيقي من دون عدالة , وكل سلام دائم يجب ان يتأسس على التشبث الكوني بالعائلة الانسانية ... والطرسقة الوحيدة للحل الدائم للنزاعات التي تندلع في العالم , هي في مواجهة المسببات الرئيسية لانتهاك حقوق الانسان . الحروب الاثنية , والعسكرتارية التزايدة , والصراعات العرقية والدينية والثقافية والايديولوجية , ونفي العدالة الاجتماعية , كل هذا سيتوقف على تنشئة الافراد وتربيتهم وتكوينهم في اطار روح التسامح المبنية على احترام الانسان ) .
ولترسيخ ثقافة السلام والتربية على السلام دور طلائعي في تشجيع التعايش المدني والسلمي بين الافراد والشعوب المختلفة . ويعرف فيديريكو مايور ثقافة السلام بانها : ( ثقافة التعايش والتشارك المبنية على مبادئ الحرية , والعدالة , والديمقراطية , والتسامح , والتضامن , وهي ثقافة ترفض العنف وتتشبث بالوقاية من النزاعات في منابعها وحل المشاكل عن طريق الحوار والتفاوض ) . ويعتبر جوهان كالتنغمن جهته ان التربية على السلام ( هي قبل كل شئ ان نعلم الناس ادارة المواقف الصراعية بشكل مبدع واقل عنفا ... وان نمنحهم الوسائل لتحقيق ذلك . انه عمل جد ملموس يتطلب معرفة كبيرة وكفائة على المستويين النظري والتطبيقي , والتربية من اجل السلام لن تكون ذات اهمية اذا لم تمنح ثمارها على مستوى الفعل والواقع , فالهدف ليس انتاج كتب كثيرة تهتم بالسلام , بل انتاج مزيد من السلام ) .
ونظرا الى الاهمية المركزية لثقافة السلام في ترسيخ السلام والتسامح في كل بقاع العالم , فقد اعلنت الجمعية العامة للامم المتحدة سنة 2000 سنة دولية لثقافة السلام واللاعنف . وقام مجموعة من الحائزين على جائزة نوبل للسلام بمناسبة احياء الذكرى الخمسين للاعلان العالمي لحقوق الانسان بصياغة البيان 2000 لثقافة السلام والذي يؤكد على :
( .. لاني واع المسؤولية ازاء مستقبل الانسانية وخصوصا اطفال اليوم والغد , التزم في حياتي اليومية , اسرتي , عملي , جماعتي , بلدي , بأن :
احترم الحياة : احترم حياة وكرامة كل كائن انساني من دون تمييز او حكم مسبق .
ارفض العنف : اطبق اللا عنف الايجابي برفض العنف بكل اشكاله : الجسدي والنفسي والاقتصادي والاجتماعي , وبخاصة تجاه الافراد الاكثر فقرا وضعفا كالأطفال والمراهقين .
اتعامل بكرم : اقسم وقتي ومواردي المادية بسخاء للقضاء على التهميش , والظلم , والقمع السياسي والاقتصادي انصت من اجل التفاهم : ادافع عن حرية التعبير والتنوع الثقافي عبر تشجيع الانصات والحوار بدون الاستسلام للتعصب والنميمة واقصاء الاخر .
احافظ على كوكب الارض : ادعم استهلاكا مسؤولا ونمطا تنمويا يأخذان بعين الاعتبار اهمية كل اشكال الحياة ويحفظان توازن الموارد الطبيعية لكوكبنا الارض .
اكتشف من جديد قيمة التوازن : اسهم في تنمية جماعية بالمشاركة الكاملة للنساء وفي اطار احتلرم مبادئ الديمقراطية وذلك من اجل ان تخلق جميعا اشكالا جديدة للتضامن .
لقد اصبح من الضروري تشجيع ثقافة المشاركة قصد تدهيم قيم التضامن , والاخاء , والتسامح , ومن شأن ذلك ان يتجنب الاجيال المقبلة الكثير من المآسي والحروب والعنف وان يرسي قيم السلام والتعاون داخل مختلف المجتمعات . ويبدو انه من المهم بذل مجهودات كبيرة لمراجعة الكتب المدرسية واعادة قراءة تاريخ وذاكرة مختلف الشعوب قراءة نقدية , متفتحة ومتيقظة , لاجتناب الوقوع في اخطاء الماضي واعادة الاعتبار للتواريخ المهمشة . وذلك لانهاء جراح الماضي والاحقاد المتجذرة وتحقيق التصالح مع التاريخ بين مختلف الشعوب .
وينبغي اليوم التفكير في بيداغوجية جديدة للبحث عن افضل السبل للتصرف بحكمة وتوازن اثناء الصراعات والتوترات وبشكل يؤدي الى امتصاص العنف واللجوء الى الحلول السلمية . لهذا ينبغي التفكير بحس نقدي في آليات تشكيل صورة الاعداء , وفي التصور المانيكياني الذي يدفع الى اعتبار ان الاشرار دائما هم الاخرون الذين لا يتقاسمون معنا الانتماء .
وكذا مراجعة نزعة الاختزال والتبسيط والتعميم التي تسعى الى نزع الطابع الانساني عن الثقافات وجماعات وشعوب بأكملها , وتحميلها مسؤولية اعمال وافعال مشينة يرتكبها افراد ومجموعات ينتمون اليها . كما انه يجب فهم السياق الواقعي والاطار التاريخي والملابسات المحيطة بمختلف التوترات للتمكن من ايجاد حلول مناسبة وفعالة .
اصبحت الدراسات الحديثة حول ثقافة السلام تقر لأن من افضل الاساليب للتدخل بشكل ايجابي في حل الصراعات , ضرورة رؤية الصراعات بأربع نظارات :
- النظارات عن قرب : وهي اما شفافة تكون مهمتها التعرف على المسببات المباشرة والازمات الآنية التي ترتب عليها الصراع , او سودائ تكون مهمتها الكشف عن المظاهر والمؤشرات الخادعة التي تدفع الى تاجيج الصراع او على العكس قج تساهم في الاستخفاف في حدة الازمات على عكس ما هي عليه في الواقع .
- النظارات عن بعد : مهي اما شفافة تهتم بالرؤية البعيدة للصراعات عبر البحث عن مسبباتها العميقة وجذورها التاريخية , او سوداء وتهتم بتحليل الثقافات العميقة والوعي الجماعي للمجتمعات المتصارعة . وهذا يؤكد ان لكل رؤية نظاراتها الخاصة وان هناك رؤى مختلفة ومتنوعة في تحليل واقع الصراعات , تختلف باختلاف الموقع والاطار الذي تنطلق منه لمقارببته .
والصراعات اليوم اصبحت ذات طبيعة جديدة ما يفرض الابتعاد عن الرؤى الاحادية والانية لاعتناق رؤية معقدة متعددة تراهن على دبلوماسية العمل الهادئ والشاق والبعيد المدى , لارساء ثقافة سلام حقيقية في كل اركان العالم .
وينبغي التنبه الى ان الخطوط الفاصلة بين السلام والحرب لم تعد واضحة , فالسلام لم يعد يعني غياب الحرب والعنف فقط , بل يعني توفير بنيات تحتية فعالة على المستوى الاقتصادي , والاجتماعي , والثقافي والسياسي لضمان استمرار السلام , فالسلام يتطلب العمل من اجل العدالة , فلا سلام بلا عدالة ولا عدالة بلا تضامن . والتوترات لم تعد مرتبطة بالقوة والعنف المادي , بل ان العنف المعنوي الذي يمارس على الافراد والشعوب من خلال امتهان كرامتها وحرمانها من حقوقها ومن انسانيتها , قد يكون له نتائج اكثر خطرا من العنف المادي المباشر .
ومن خلال دراسته للعنف في البيئة الدولية توصل جوهان كالتونغ الى ان غياب الحرب والصراع يترتب عليه سلام سلبي , اما السلام الايجابي فلا يتحقق الا اذا تم توفير وضمان الحاجيات الاساسية للانسان : الحق في البقاء والحياة , والعيش الكريم والحرية والهوية . ويميز كالتونغ بين ثلاثة انواع من العنف : العنف المباشر والذي يتسبب بشكل مقصود في الالم والمعاناة للانسان وتفقده آماله , والعنف البنيوي وهو عنف معنوي ورمزي قد يبدو على المستوى الظاهري عنفا بسيطا ولكنه في العمق هو عنف متواصل ذو بعد خطير وحاد على المستوى البعيد , والعنف الثقافي ويسعى الى منح الشرعية والصدقية للعنف المباشر او العنف البنيوي , وفي مواجهة مستويات السلام نفسها التي توازيها , اي السلام المباشر مقابل العنف المباشر , والسلام البنيوي مقابل العنف البنيوي والسلام الثقافي مقابل العنف الثقافي . |