الأزمه النوويه الإيرانية: بسم الله الرحمن الرحيم الإعلان الذي أطلقه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، منذ أيام (في: 11 أبريل 2006)، بنجاح بلاده في تخصيب اليورانيوم وامتلاك التقنيات اللازمة لذلك، ودخول إيران النادي النووي واحتلالها المركز الثامن في هذا المجال.. (هذا الإعلان) أثار غضباً وقلقاً كبيرين لدى العالم الغربي، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.
بل، واعتبر هؤلاء أن ذلك مؤشر على أن إيران تسعى لصنع سلاح نووي، هذا بالرغم من أن أحمدي نجاد كان قد أكد تقنيات التخصيب إنما هي من أجل الأغراض السلمية.. حيث أن درجة التخصيب، كما هو معلن، تمت بدرجة 3.5 بالمئة، في حين أن درجة التخصيب لصنع قنبلة نووية لابد أن تصل إلى 90 بالمئة.
الملاحظة المهمة في هذا السياق، أن الإعلان الإيراني مثل ضربة قوية لمجلس الأمن الدولي.. إذ أن المجلس كان قد أمهل طهران (في: التاسع والعشرين من مارس الماضي)، شهراً لوقف جميع أنشطة التخصيب..
ملاحظة أخرى في الموضوع، وهي أن هذا الإعلان قد زاد من قتامة الصورة، كما زاد من مشاعر التشاؤم تجاه حل الأزمة دبلوماسياً، على الأقل من منظور أن منطقة الخليج العربي شهدت، مؤخراً، مناورات عسكرية إيرانية، استخدمت فيها الصواريخ والطوربيدات البحرية؛ هذا، في الوقت الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة الأمريكية أنها سوف تجري هي الأخرى مناورات عسكرية في صحراء نيفادا والخليج العربي..
وفيما يبدو هكذا، يبدو الأمر كما لو كان استعداداً لحرب محتملة بين الطرفين بسبب البرنامج النووي الإيراني، الذي يعتقد الغرب أن إيران تطوره لأغراض تصنيع سلاح نووي، بينما تنفي طهران ذلك.
وهكذا، يمكن القول: أن أزمة البرنامج النووي الإيراني قد وصلت، بالفعل إلى مفترق طرق خطير، خاصة مع الضغوط الكبيرة التي تمارسها واشنطن في سبيل المضي قدماً نحو العقوبات والتلويح بالخيار العسكري.. وهو ما يؤشر باحتمال نجاح الولايات المتحدة في تمرير قرار من مجلس الأمن بفرض عقوبات اقتصادية على إيران.
أيضاً، يمكن القول: أن الإشكالية لا تختص، وحسب، بالمدة المتبقية (أي: الأشهر القليلة القادمة)، تلك التي يمكن أن تتمكن إيران خلالها من امتلاك الخبرة التقنية اللازمة لإنتاج رأس نووية خلال فترة وجيزة (يقدرها البعض بفترة تقارب خمس عشرةو شهراً)؛ وهو ما يطرح أمام الإدارة الأمريكية الاحتمال الخاص بإمكانية أن تستطيع إيران تكرار نموذج كوريا الشمالية: النموذج الذي يستعصي على الحل الأمريكي إلى الآن، رغم "التنازلات" التي قدمتها الولايات المتحدة في سبيل ذلك..
كذلك، يمكن القول: أن الإشكالية، إضافة إلى هذا وذاك، إنما تتمحور حول مدى الخطورة التي تمثلها إيران، في حال تمكنها من امتلاك أسلحة نووية، على التواجد الأمريكي القريب ـ جداً ـ في الخليج العربي عموماً، وفي العراق على وجه الخصوص.
في هذا الإطار، لنا أن نلاحظ نقطتين:
الأولى، أن تصعيد الولايات المتحدة ضد إيران، وعدم استبعادها لـ "الخيار العسكري"، هو نوع من الضغط على كل من روسيا والصين، باعتبارهما من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، ولهما الحق في استخدام حق النقض (الفيتو)، ضد فرض أي عقوبات على إيران، أو على الأقل: عرقلة مثل هذا القرار.
الثانية، أن إيران، التي تعتبر ثاني أكبر مصدر للنفط في منظمة "أوبك"، بعد العربية السعودية، ورغم تأكيدها بعد قطع امداداتها النفطية في حال فرض عقوبات اقتصادية عليها من مجلس الأمن.. إلا أنها هددت بدخول مضيق هرمز، في حال تعرضها لضربة عسكرية أمريكية، وهو ما يعني، فيما يعنيه، أن الإمدادات النفطية التي تمر عبر المضيق ـ باعتباره منطقة مهمة لعبور النفط الخام ـ ستنقطع، أو: سوف تتحكم فيها إيران.
أضف إلى ذلك، أن العلاقات الاقتصادية بين إيران ودول مثل: الصين واليابان وروسيا، يمكن أن تتأثر من العقوبات على طهران. وبالتالي، قد تتردد تلك الدول في الموافقة على العقوبات، وذلك من منظور أن تلك العقوبات سوف تضر بهذه الدول في حال موافقتها عليها، لأن الإنتاج العالمي من النفط سوف يتأثر؛ ومن هنا، سوف تشهد أسعاره ارتفاعاً متواصلاً، وهو ما يؤثر بالسلب على الاقتصاد العالمي.
في هذا السياق، لانغالي إذا قلنا: أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تسعى لإقناع بلدان الخليج العربيات ـ هذا، إن لم تكن قد بدأت ذلك بالفعل ـ بأن البرنامج النووي الإيراني، وكذا المناورات العسكرية التي أجرتها طهران، خطر على هذه البلدان.
وفيما يبدو، فإن هذه الصورة، تطرح احتمالات عديدة.. وفي مقدمتها تأتي تلك الخاصة بمجمل التداعيات المتوقعة، أو التي يمكن توقعها، على العرب ومنطقتهم العربية.
فإضافة إلى ضرورة الانتباه العربي إلى الكيفية التي تدير بها إيران الأزمة الحالية: سواء من خلال التعاون مع قوى دولية كبرى لها مصالحها الخاصة ـ التي لا يمكن أن تصرف النظر عنها ـ مع إيران؛ أو من خلال التحركات ذات الصبغة الاستراتيجية مع قوى إقليمية في المنطقة (يكفينا، هنا، أن نشير إلى المثال السوري، وكذا مثال حزب الله اللبناني، ناهيك عن التحركات الخاصة بالعراق)؛ أو عبر التلويح بـ "رد الفعل"، المحتمل، تجاه أي عمل يستهدفها..
نقول: إضافة إلى هذا، فإن أهم التداعيات الناتجة عن هذه الأزمة وكيفية إدارتها، يأتي الحديث حول جعل منطقة "الشرق الأوسط"، منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، أو منزوعة الأسلحة النووية؛ وهي السياسة التي انتهجتها البلدان العربية عموماً ومصر خصوصاً، ودعت إليها، وذلك بعد أن انضمت إلى النادي النووي، خلال السنوات الأخيرة، كل من الهند وباكستان..
إذ، أن مثل هذا الحديث لم يعد له من معنى الآن، بعد أن أصبحت منطقة الشرق الأوسط محفوفة بالمخاطر، من جراء السلاح النووي المعلن والمستتر في الهند وباكستان وإسرائيل، خاصة وأن التطورات الأخيرة قد أثبتت أن "اتفاقيات الحظر" ليست وحدها كافية لاتقاء الأخطار النووية.
قولنا الأخير، هذا، يتبدى واضحاً، إذا لاحظنا: أن الدول الثلاث المشار إليها، ليست دولاً في معاهدة "منع الانتشار النووي" التي تم تمديدها إلى أجل غير مسمى (منذ: العام 1995)، وهي الدول التي تسمى "دول العتبة"، كناية عن امتلاكها برامج عسكرية نووية غير معلنة (تضاف إلى ذلك كوبا).
وأياً يكن الأمر، فقد ثبت حتى الآن أن حيازة الأسلحة النووية لا تكون بقصد استخدامها في معارك عسكرية، بقدر ما تكون بقصد الحصول على وزن سياسي وقدرة ردع استراتيجي ودفاعي.. وهذا، فيما يبدو، ما سعت إليه الدولتان الآسيويتان: الهند وباكستان، من قبل؛ وتسعى إليه إيران، راهناً.
هذا "الحكم" الأخير، في اعتقادنا، هو ما يجب أن يدفعنا نحن العرب إلى الاقتراب من كافة الاحتمالات، وآفاق هذه الاحتمالات مستقبلاً، وذلك لما يمثله من أهمية للأمن العربي بصفة عامة، ولأمن الخليج العربي على وجه الخصوص .
ولعل هذا ما يتبدى بوضوح إذا أدركنا كافة دلالات المؤشر التالي.. فقد أصبحت الهند، بعد امتلاكها لقدرة الردع النووي، جزءاً بالغ الأهمية من الأجزاء المكونة للوحة الاستراتيجية لمنطقة الخليج العربي.. ومع التطور الموازي الذي استعادت به باكستان كبرياءها، بعد أن أكدت للعالم، وخصوصاً للبلدان العربية في الخليج، أنها تمتلك القوة النووية ووسائلها، فقد دخلت، هي الأخرى، ضمن اللوحة الاستراتيجية للمنطقة.
ولنا أن نتوقع، بسهولة، أن إيران لن تهدأ قبل أن تثبت، بالقوة النووية قطعاً، أن موقعها، بل مكانتها، في إطار تلك اللوحة لم يتأثر.
وهكذا، عندما نضيف إسرائيل إلى هذه اللوحة، نكون أمام أحد احتمالين:
أولهما، أن تصبح منطقة الخليج العربي، بما تمتلكه من أكبر مخزون نفطي في العالم، محاصرة بـ "مربع نووي"، مكون من أربع دول: الهند وباكستان، ثم إيران، إضافة إلى إسرائيل.
أما الاحتمال الثاني، أن تتبنى الإدارة الأمريكية محاولة إقناع البلدان العربية في منطقة الخليج، بضرورة دعوتها (أي: دعوة الولايات المتحدة الأمريكية)، لتقديم مظلة نووية لحماية النفط العربي؛ وغني عن البيان، هنا، التوقعات الخاصة بالمشاركة الإسرائيلية في ظل هذا الاحتمال.
والتساؤل الذي نود أن نطرحه، هنا، هو: هل يعيد "العرب" تقويم سياساتهم في التمسك بجعل منطقة "الشرق الأوسط" منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل(؟!).. ألم يحن الوقت بعد لكي نتمسك بالقاعدة التي أكدتها الأحداث مؤخراً: قاعدة "الاعتماد على الذات" (؟!).. |